السيد محمد حسين فضل الله
50
من وحي القرآن
يكنى عنه ، ولا يخلو الجماع من ذلك ، كما في الكشاف « 1 » . عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ أي : تنقصونها حظها من اللذة بامتناعكم عن الجماع في الليل ، وخيانة النفس تكون في ظلمها بمنعها عما ترتاح إليه ، أو تكون بمعنى ممارسة المعصية تمردا على التحريم الذي كان مفروضا في ليالي الشهر بالإضافة إلى نهاراته ، فلا تؤدون الأمانة الإلهية بالامتناع عن الجماع ، فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ تخفيفا لما اشتد عليكم ، بإباحته لكم أو بالغفران لكم فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ بالليل لتحصلوا على حاجتكم الجنسية من دون تحريم ولا حرج . والأمر هنا بمعنى الإباحة لا الوجوب ، لأنه وارد بعد التحريم مما يكون قرينة على أن المراد به رفع التحريم ، لا الوجوب . وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ الظاهر منه الولد باعتباره الغاية من العمل الجنسي غالبا ، بالإضافة إلى قضاء الشهوة ، أو للتشجيع على التناسل واعتباره غاية مطلوبة لذلك . وهناك احتمال آخر وهو أن المراد : اطلبوا ما كتب اللّه لكم من الحلال الذي بيّنه بكتابه ، فإن اللّه يحب أن يؤخذ برخصة كما يحب أن يؤخذ بعزائمه . وَكُلُوا وَاشْرَبُوا فقد أباح اللّه لكم ذلك في الليل ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ أي : يظهر ويتميز لكم على التحقيق في وضوح الرؤية ، الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ وهو أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود ، مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ما يمتد معه من غبش الليل ، كما في الكشاف « 2 » مِنَ الْفَجْرِ الذي يبدأ طلوعه بالبياض ، الذي يبدو في الأفق . ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ هذا تحديد لنهاية موعد الصيام ، وعدم تشريع صوم الوصال الذي يصل به الصائم ليله بنهاره بنية واحدة .
--> ( 1 ) انظر : تفسير الكشاف ، ج : 1 ، ص : 337 - 338 . ( 2 ) انظر : م . ن . ، ج : 1 ، ص : 339 .